اليابان بلاد الجدارة .. والتعليم الرصين

يُعزى حدوث معجزة اليابان الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية إلى نظامها التعليمي، وذلك بسبب الصلة المتينة بين التعليم والتنمية الوطنية؛ لذا كان من البدهي اهتمام المتعلمين الأجانب بنظام التعليم المدرسي في اليابان؛ حيث عمدت الحكومة اليابانية إلى توسيع تأثيرها في التعليم عبر مركزية النظام المدرسي وتوحيد المناهج وتطويرها على نحو مستمر، بعد إدراكها أن الازدهار المحلي للبلاد يعتمد على نتاج المؤسسة التعليمية.

في تقرير بيرسون لعام 2014 عن أفضل نظم التعليم في العالم في المهارات المعرفية والتحصيل العلمي جاءت اليابان ذات 127 مليون نسمة في المركز الثاني عالمياً بعد كوريا الجنوبية، بعد أن كانت اليابان رابعاً في تصنيف بيرسون ذاته لعام 2012، لقد تقدمت اليابان عبر نظامها التعليمي مرتبتين على مستوى العالم في غضون عامين فقط، وهذا يدل على مدى ما توليه اليابان من اهتمام في مجال هو الأهم في حياة ومستقبل أبنائها.

تكاد نسبة الحضور مرحلتي التعليم الإلزامي في المدارس الابتدائية والمتوسطة تشمل جميع الأطفال في عمر المدرسة حيث تبلغ (99.98%)، وقد بلغت نسبة ارتياد المدارس الثانوية العليا 97.3% من طلبة المدارس المتوسطة على الرغم من أن التعليم غير إلزامي في هذه المرحلة. وقد بلغ معدل إتمام المرحلة الثانوية في اليابان 96% بحسب إحصائيات عام 2013م. وتتوافر في اليابان فرص شتى للطلبة الراغبين في مواصلة تعليمهم العالي، حيث يسجل زهاء ثلاثة ملايين طالب في أكثر من 1200 جامعة وكلية متوسطة. وتشكِّل الجامعات اليابانية العنصر الأضعف في نظام التعليم في نظر الكثيرين على الرغم من غزارة هذه الفرص؛ إذ يجب على الطالب أن يكافح للحصول على مقعد في إحدى الجامعات المرموقة؛ فإن تسنى له ذلك، نجح بسهولة في الأعوام الثلاثة الأولى من المرحلة الجامعية الأولى ليمضي عامه الأخير باحثاً عن عمل.

تُعدّ الجدارة والكفاءة جوهر المجتمع الياباني، ولعل فِرَقَ الطلبة والمسؤولين اليابانيين الذين ذهبوا إلى العواصم الغربية كانت الأسبق إلى وضع معايير تربوية وتعليمية عالمية كانت الأساس لنظامهم التعليمي. حيث استقت من الأفكار الرائجة في إنجلترا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وصهرتها معاً لتصميم نظام تعليمي جديد كل الجدّة يلائم اليابان، جاء متأثراً بالقيم اليابانية بشدة. كما توافر لديهم الأساس الكافي لتنفيذ مشروعهم هذا، فقد كان معظم المعلمين في اليابان من طبقة الساموراي، حيث حظي المدرِّس في اليابان بمكانة رفيعة جداً، وما زالت هذه الحقيقة قائمة حتى يومنا هذا.

تشي السياسات التي اتُبعت في اليابان في الماضي بتقديرها العميق للتعليم وتفضيله على أمور كثيرة، وإنما يوحي هذا بتفضيلهم المستقبل على الاستهلاك الحالي. فلم يكن التزام اليابان بتعليم الأطفال مجرد خطابات رنانة؛ بل أولوية ملموسة وثابتة، وقد أبدى الطلبة والآباء والمعلمون والأمة كلها استعدادهم لتقديم تضحيات حقيقية في سبيلها. ويمثل هذا الالتزام الأساس الذي يقوم عليه النظام الياباني، والسبب الرئيس وراء قدرة اليابان على توفير قوة من الدرجة الأولى من العاملين في مجال التدريس.

ولم يكن إضفاء قيمة كبيرة على التعليم سوى جزء من المعادلة؛ إذ ثمة عوامل أخرى أسهمت في إنجاح تجربة التعليم في اليابان كان من أبرزها الإيمان العميق بقدرة الأطفال كلهم على تحقيق النجاح. في بعض البلدان، يجري فرز الطلبة في فروع دراسية مختلفة منذ سن مبكرة بما يعكس فكرة سائدة لدى المعلمين والآباء على حد سواء ترى في فئة قليلة منهم القدرة على تحقيق النجاح على المستوى العالمي أو تحمِّلها واجب ذلك. لكن اختبارات بيزا تظهر أن الأنظمة التي تفصل الطلبة بهذه الطريقة تعاني غالباً فوارق اجتماعية كبيرة. في المقابل، يثمر نظام التعليم الياباني مخرجات تعلُّم قوية ومنصفة عبر مختلف السياقات الاجتماعية والاقتصادية، وذلك يشجع المربين على استثمار المواهب الاستثنائية للطلبة العاديين.

تتوقف سمعة المدارس في اليابان على الأداء الأكاديمي للطلبة وسلوكهم؛ إذ يلقي المجتمع على عاتق المدرسة مسؤولية كلا الجانبين بطريقة لا نظير لها في الغرب. فعلى سبيل المثال، إنْ خالف الطالب القانون، دعتِ السلطات المسؤولة عن إنفاذ القانون المعلِّم الاستشاري المسؤول عنه وأعضاء الهيئة التدريسية جميعاً للاعتذار عن سلوك الطالب. فليس من المستغرب إذن أن ينمو لدى الطالب الياباني شعور قوي بالالتزام تجاه أعضاء الهيئة التدريسية والمجتمع من حوله، وأن يبذل قصارى جهوده لتحقيق أداء جيد من الناحية الأكاديمية مع الالتزام بالقانون خارج المدرسة. في الواقع، تنطبق الفكرة نفسها على علاقة كل طالب بالطلبة الآخرين في المدرسة. فالفشل معناه خذلان المجموعة؛ لذا يكافح معظم أعضاء هذا المجتمع لبذل ما بوسعهم، ويسعون على الدوام لتحقيق أهداف أسمى؛ لأن ذلك هو السبيل لكسب تقبل المجموعة والارتقاء بالذات. كما تسود القيم ذاتها في أماكن العمل أيضاً.

ومن اللافت أنه لا يُعدُّ ما يحققه الطلبة اليابانيون من إنجازات في مجال التعليم والاختبارات الدولية نتيجةَ ذكاء موروث وغير قابل للتغيير في نظر اليابانيين، وإنما هو نتيجة للجهود المبذولة. فإن فشل الطالب، لا يكون وحده الملوم في ذلك؛ بل يطول اللوم أبويه (ولاسيما الأم) ومعلِّميه أيضاً. يكتسب حصول الفرد على تقبل الجماعة التي ينتمي إليها، بما في ذلك العائلة والمدرسة، ودعمها له قيمةً عالية في نظر اليابانيين؛ لذا يبذل الشباب الياباني جهوداً جبارة للفوز باستحسان الأسرة والمعلمين، فيتبعون دورات تعليمية بالغة الصعوبة ويعملون بجد في المدارس؛ بغية كسب استحسان الناس الأقرب إليهم من ناحية، ولعلمهم أن هذا السبيل الوحيد للتفوق في العمل والمجتمع من ناحية ثانية.

وترتكز هذه المقاربة برمَّتها إلى الإيمان بأن جهد الطالب، وليس قدراته يشكل العامل الحاسم في تحصيله العلمي. فإن أخفق الطالب، لا يعزى إخفاقه إلى عدم قدرته على التحصيل؛ بل لعدم بذله جهداً كافياً، وكما يوفر النظام التعليمي حلولاً عملية لحل لهذه المشكلات. وتستند إلى فكرة أن ضعف أداء الطالب يقع على عاتق مجموعة كبيرة من الأفراد، لا الطالب وحده، وأن ضعف الأداء هذا ينعكس سلباً عليهم أيضاً. وذلك يحفِّز الآباء والمعلمين على السواء لبذل قصارى جهدهم لضمان عودة الطالب إلى المسار الصحيح.

يمكننا الاستفادة من كثير من العبر المستخلصة من تجربة اليابان في التعليم لأغراض التحليل، لكن ذلك ينطوي على خطر التعتيم على جانب شديد الأهمية من جوانب التعليم الياباني. إذ لم يُصمَّم النظام بهدف تطوير القدرات المعرفية للطلبة وحسب؛ بل لغرس قيم المجتمع المتمثلة في السلوك الأخلاقي الحسن، والتقدم المبني على أساس الجدارة وتماسك النسيج الاجتماعي. حيث يتربَّى الطالب بسبل شتى على احترام معلميه والأكبر سناً منه، ويتعلم اتباع الصواب على الدوام والالتزام بالترتيب وحسن التنظيم. وتزخر المدارس في أنحاء اليابان بالأدلة التي تثبت الجهود المبذولة لمكافأة العمل الجاد والمثابرة والثناء على الطلبة من عشاق التحدي، وتشجيع الطالب على خدمة مدرسته وزملائه وتحمل مسؤولية مساعدة الآخرين، ومكافأة التواضع والثناء على العمل الصالح الذي يقوم به الآخرون.. ليس صعباً تخيُّل مقدار تأثير هذا النمط من الاهتمام بسلوك الفرد على جوانب متنوعة من الحياة الاجتماعية، من أخلاقيات الأعمال إلى الرعاية الصحية، ومن البيئة المستدامة إلى الجريمة، ولعل الجدير بالاهتمام التفكير فيما قد يحدث لبلدٍ يتجاهل هذه الجوانب في تربية أبنائه.

عزام بن محمد الدخيّل

مصدر الصورة