سنغافورة قصة نجاح استثنائي

شهدت سنغافورة تحولاً هائلاً في أقل من 50 عاماً من جزيرة فقيرة معدومة الموارد الطبيعية تقطنها غالبية أمية إلى بلدٍ تضاهي مستويات معيشة أبنائه معيشة نظيراتها في الدول الصناعية الكبرى الأكثر تطوراً. وفي تقرير بيرسون لعام 2014 الذي صدر مؤخراً عن أفضل نظم التعليم في العالم في المهارات المعرفية والتحصيل العلمي جاءت سنغافورة ذات 5.5 مليون نسمة في المركز الثالث عالمياً خلفاً لكوريا الجنوبية واليابان، بعد أن كانت سنغافورة خامساً في تصنيف بيرسون ذاته لعام 2012.
أكَّدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) عبر نتائجها تمتعَ سنغافورة بنظام تعليمي عالي الجودة، له مميزات يمكن للأنظمة الأخرى أن تتعلم منها؛ ومن هذه المميزات: المعلمون والمديرون ذوو الكفاءات العالية والقادة الأقوياء ذوو الجرأة على الرؤى بعيدة المدى. والصلة القوية بين التعليم والتنمية الاقتصادية، وكذلك بين السياسة والتنفيذ. كما إن المناهج الدراسية معدّة على نحو جيد وبمقاييس تتماشى مع أساليب التعليم الحديثة والقياس والتقويم. وأشارت المنظمة إلى أهمية قيم القياس والتقويم التي تدعم النظام التعليمي ذا التوجه العالمي والرؤية المستقبلية. كما أدّت الحاجات الاقتصادية للبلاد دوراً مهماً في تحديد معالم سياسة التعليم؛ لأن تحسين التعليم عُدَّ منذ البداية إستراتيجية رئيسة لتحقيق الأهداف الاقتصادية الطموحة لسنغافورة.
لقد كان سجل سنغافورة حافلاً بالإنجازات في الاختبارات والتقويمات الدولية ففي اختبارات تيمس (TIMSS 2011) الدولية لتقويم وقياس الاتجاهات العالمية في دراسة الرياضيات والعلوم لطلبة الصف الرابع والثامن من التعليم الأساسي جاءت سنغافورة في مراكز متقدمة جداً، حيث حلَّ طلبة الصف الرابع في المركز الأول عالمياً في مادة الرياضيات بـ 606 نقطة، ونالوا المركز الثاني في العلوم بمعدل نقاط بلغ 583 نقطة. وجاء طلبة الصف الثامن ثانياً على مستوى العالم في مادة الرياضيات بـ 611 نقطة، ونالوا المركز الأول في مادة العلوم بمعدل نقاط بلغ 590 نقطة!
وفي اختبار بيرلز (Pilrs 2011) لقياس مدى تقدم طلبة الصف الرابع في القراءة بلغتهم الأم، جاء طلبة سنغافورة في المرتبة الرابعة عالمياً بمعدل نقاط بلغ 567 نقطة.
أما في اختبارات «بيزا» الشهيرة لعام 2012 فقد حلَّ طلبة سنغافورة ثانياً في مادة الرياضيات بـمعدل نقاط بلغ 573 نقطة، وحلَّ طلبتها ثالثاً في مادة العلوم بـ 551 نقطة، وجاؤوا ثالثاً في القراءة بـ 542 نقطة على مستوى العالم.
تعكس هذه النتائج المتقدمة جداً على مستوى العالم مدى تقدم مستوى التعليم وتطوره في سنغافورة ومدى نجاح أنظمته ومناهجه، ومدى تقدم القائمين على التعليم في هذا البلد المتقدم والمتطور جداً، مما انعكس على مناحي الحياة كافة لاسيما الاقتصادية منها والإبداعية؛ حيث حلَّت سنغافورة في المرتبة الثانية عالمياً بعد سويسرا من حيث القدرة التنافسية الاقتصادية على الصعيد العالمي، وذلك بحسب تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2013-2014.
في الواقع تُعدّ قصة نظام التعليم في سنغافورة قصة تطور آسيوي «ناجحة جدّاً»؛ وهي ليست أقل من معجزة. وذلك بدايةً مع عام استقلالها 1965 حيث كانت الأمية تسيطر على جزء كبير من المواطنين، ما أدى إلى قيام حكومة سنغافورة بابتكار وتطوير واحد من أفضل نظم التعليم عالمياً.
لقد نجحت سنغافورة نجاحاً باهراً فيما سعت إليه من إصلاح نظام التعليم لديها وتطويره، ويجدر بنا أن نذكر بعض الأسباب التي مكَّنت سنغافورة من تحقيق هذا النجاح الباهر في بناء منظومة تعليمية من الطراز العالمي انطلاقاً من أساس هشٍّ في زمن قصير، فيما يأتي:
1- اختار لي كوان يو رئيس الوزراء ذائع الصيت كثيراً من الشخصيات الأكفياء في سنغافورة للعمل في الحكومة، وبذلك توافر بين يديه فريق عمل ناجح من الدرجة الأولى لصنع القرارات وتنفيذها (لقد تلقى كثير من العاملين المدنيين في حكومة سنغافورة تعليمهم في أرقى جامعات العالم، ويحصلون على رواتب تعادل تلك التي يمكن لهم كسبها في القطاع الخاص).
2- حرصَ لي كوان على اطلاع الحكومة على طيف واسع من التجارب العالمية الرائدة والاستفادة منها قبل الشروع في رسم سياسات حكومته، بحيث تعكس سياسة سنغافورة تلك السياسات والممارسات الأكثر فاعلية في العالم.
3- حرصَ لي كوان على أن تولي بلاده درجة مماثلة من الرعاية الخاصة لتطوير السياسات الحكيمة وتنفيذها بدقة وتأنٍ في آنٍ معاً. وقد ثابرت سنغافورة في السير على هذه الخطى.
ولربما هناك عاملٌ آخر جدير بالذكر؛ إذ تتفوق سنغافورة على معظم البلدان الأخرى في توخي الحذر الشديد عند تبني سياسات جديدة؛ وذلك للتأكد من أنها قد صُممت لتتكامل مع السياسات السارية على أرض الواقع، أو أن السياسات ذات الصلة كلها تتغير، بحيث تعزز آثار هذه السياسات والممارسات بعضها بعضاً بأي حال من الأحوال، الأمر الذي يولِّد أنظمة متينة شديدة الفاعلية. ويُعد هذا أمراً واقعياً على نحو لافت في ميدان التعليم.
وعند محاولتنا فهم النجاح الباهر الذي حققته سنغافورة، من المهم أن نتذكر ميزة صِغر حجم سنغافورة؛ إذ يُعدُّ نظام التعليم الوطني في سنغافورة أشبه بنظام تعليم في مدينة أو دولة صغيرة، حيث لا يتجاوز عدد الطلبة 522 ألفاً موزعين في 360 مدرسة. هذا إلى جانب قدرة الحكومة في انتهاجها لسياساتها على منح وقتٍ كافٍ لتمحيص آثارها وتقويمها، وذلك بفضل الاستقرار والإجماع الشعبي الواسع على أغراض العملية التربوية. وتبلغ درجة التكامل بين المؤسسات المختلفة في سنغافورة مستوى نادراً على الصعيد العالمي. إذ تشكِّل سنغافورة مثالاً لنظامٍ «مقترن بإحكام» حيث يشترك كبار القادة في الوزارة والمعهد الوطني للتربية والتعليم والمدارس في تحمُّل أعباء المسؤولية والمساءلة. وتكمن قوتها الفذة في تجنب الإعلان عن أي سياسة تربوية من دون خطة واضحة لبناء القدرات المناسبة لها، ويكاد يغيب التباين بين المدارس المختلفة، إلا أن ثمة تبايناً في الأداء داخل المدرسة الواحدة.
وتأتي الجودة العالية للقوة العاملة في سنغافورة اليوم نتيجة إستراتيجيات مدروسة، ولاسيما تلك التي يرجع تاريخها إلى تسعينيات القرن العشرين وما بعد. منذ ذلك الحين، شكَّل المعلمون والقادة التربويون المتمرسون في المدارس حجر الزاوية في بناء نظام التعليم في سنغافورة وسبباً رئيساً وراء أدائه رفيع المستوى. إذ تختار سنغافورة مدرسيها من الثُّلث الأفضل من خريجي مدارسها، حيث يُقبل واحدٌ فقط من كل ثمانية متقدمين للقبول في برنامج إعداد المعلمين! كما طوَّرت سنغافورة نظاماً شاملاً لاختيار المعلمين ومديري المدارس وتدريبهم وتطويرهم مهنياً والتعويض لهم في آن معاً، وذلك أسهم في توليد قدرة وكفاءة هائلة عند ممارسة التربية والتعليم.
لقد رأت سنغافورة منذ البداية في التعليم حجر الأساس لبناء الأمة والاقتصاد الوطني. فجعلت منه وقوداً يغذي رأس المال البشري لدفع عجلة النمو الاقتصادي. وتُعدُّ قدرة الحكومة على النجاح في تحقيق التوازن بين العرض والطلب على التعليم وبناء المهارات مصدراً رئيساً لميزة سنغافورة التنافسية.
تعد الرؤية الواضحة والإيمان العميق بالأهمية البالغة للتعليم بالنسبة إلى الطلبة والأمة على السواء؛ والقيادة السياسية المثابرة والمواءمة بين السياسات والممارسات؛ والتركيز على بناء المعلم وقدراته القيادية على إحداث إصلاحات على مستوى المدارس؛ والتقويمات والمعايير الطموحة؛ والثقافة المبنية على التحسين المستمر، والرؤية المستقبلية التي تَحكم على نجاح الممارسات التربوية عبر مقارنتها بالأفضل في العالم، كلها عوامل أسهمت في صوغ قصة نجاح سنغافورة الاستثنائي.

عزام بن محمد الدخيّل

مصدر الصورة