المعركة ضد الأمية تصل بتعليم كوريا الجنوبية إلى الصدارة العالمية.

المعركة ضد الأمية تصل بتعليم كوريا الجنوبية الى الصدارة العالمية.

يُعدّ نظام التعليم في كوريا الجنوبية من الحضانة حتى نهاية المرحلة الثانوية أحد أفضل النظم التربوية والتعليمية في العالم عند تقويمه بناءً على درجات الاختبارات الدولية ومعدلات التخرج وانتشار طلبة التعليم العالي. وهي كما وصفها البنك الدولي بأنها «تُقدم دروساً قيمة عدة في التنمية الاقتصادية بوصفها تجربة متقدمة عبر نجاحها القائم على المعرفة. إذ وظفت أموالاً طائلة للتعليم والتدريب وتعزيز الإبداع عبر البحث المكثف والمتطور، إضافة إلى تطوير بنية تحتية حديثة منفتحة».

وقد حصدت كوريا الجنوبية ثمرة هذه الجهود المضنية والدؤوبة فتقدمت بجدارة إلى المركز الأول في تقرير بيرسون لعام 2014 عن أفضل نظام تعليمي في العالم في المهارات المعرفية والتحصيل العلمي، بعد أن كانت ثانياً بعد فنلندا في تصنيف بيرسون ذاته لعام 2012.

تتميز كوريا الجنوبية ذات 49 مليون نسمة يتحدثون اللغة الكورية بأعلى معدَّل للالتحاق الإجمالي بالتعليم العالي على مستوى العالم بمعدل 103% (يونسكو: 2010) (حيث جرى أخذ مجموع عدد المسجلين في التعليم العالي، بغض النظر عن أعمارهم، نسبة إلى المجموع الكلي لأفراد الفئة العمرية التي تمتد لخمس سنوات تعقب مرحلة التعليم الثانوي)، وهو مقياس يشي بالمكانة البارزة التي يتبوَّأها التعليم في كوريا الجنوبية. وقد حصل 65% من الكوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 25-34 عاماً على التعليم العالي بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) 2010، فيما أتمَّ أكثر من 97% من الفئة العمرية نفسها تعليمهم الثانوي على الأقل. ومن هنا، تحتل كوريا المرتبة الأولى ضمن مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في المقياسين جميعاً.

وتزيد هذه النسبة في التعليم الابتدائي لتصل إلى 98.6% وكذلك تزيد في التعليم الإعدادي لتصل إلى 97.6% بحسب إحصاء 2011. كما تحظى كوريا الجنوبية بالمعدل الأعلى من الإنفاق الخاص؛ إذ يبلغ معدل إنفاق عائلات كوريا الجنوبية على التعليم أكبر أربع مرات من معدل إنفاق نظيراتها من الدول.

لقد كانت نسبة الأمية بين سكان كوريا، حين رحل اليابانيون عنها 78%، فبذل الكوريون جهوداً جبارة للقيام بقفزة البداية في نظامهم التعليمي، إلا أنهم سرعان ما رأوا هذا النظام الناشئ ينهار في الحرب بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية في أوائل خمسينيات القرن العشرين. في هذه الظروف، لا نستغرب أن متوسط دخل الفرد في كوريا الجنوبية كان حتى عام 1970 لا يتجاوز 200$ سنوياً.

شهدت كوريا تنامياً سريعاً في مجال التعليم بالتزامن مع نمو الاقتصاد الكوري في النصف الثاني من القرن العشرين؛ بدءاً من عام 1945 حتى عام 1970، فقد ارتفع عدد الأطفال المسجلين في المدارس الابتدائية من 1.4 إلى 5.7 مليون؛ وازداد عدد الطلبة في المدارس الثانوية بين عامي 1945-1990 من أربعين ألفاً إلى 2.3 مليون؛ أما في المرحلة الجامعية فقد ارتفع عدد الطلبة من أقل من 8.000 عام 1945 ليدنو من 3.3 مليون في الوقت الراهن. ونتيجة هذا التوسع السريع للنظام التعليمي اكتظت الجامعات بالطلبة في ظل نقص عدد المدرِّسين، واستعار حمى التنافس على المقاعد الجامعية. ولمعالجة هذه المشكلات عمدت الحكومة إلى إصلاح كليات التربية والارتقاء بها، وإلغاء امتحانات القبول بين المراحل المدرسية المختلفة، وإنشاء كليات تعليم الراشدين، وكليات التعليم بالمراسلة، إلى جانب توحيد امتحان القبول الجامعي في محاولة لإعادة التعليم العالي إلى وضعه الطبيعي. وبدءاً من عام 1985، عقب إنشاء لجنة إصلاح التعليم، انتقل تركيز السياسات التعليمية إلى تطوير البنية التحتية، ومعايير التدريس، والمنهاج المدرسي، والنهوض بتعليم العلوم. تبدو الإصلاحات التي شهدتها الثمانينيات والتسعينيات قد حققت نجاحاً باهراً عند الحكم عليها من منظور أداء الطلبة الكوريين في اختبارات القياس الدولية.

ففي أثناء عقود قصيرة من الزمن استطاعت كوريا الجنوبية الانتقال من الأمية الشاملة لتتصدر التصنيفات العالمية، سواء في عدد المتعلمين أم في جودة التعليم. وبعد تلك البداية المحبطة التي كانت قبل بضعة عقود فقط، تدرّب كوريا الجنوبية الآن واحدة من أكثر القوى العاملة تعليماً وكفاءة في العالم، وقد أصبحت هذه القوة العاملة الآن توفر عمالاً في جميع المستويات لبعض أهم الشركات العالمية الرائدة في مجال الإلكترونيات وصناعة السيارات والناقلات العملاقة.

وتعمل وزارة التعليم والعلوم والتكنولوجيا حالياً على تجديد برامج التعليم المهني في البلاد، إضافة إلى إعادة هيكلة المناهج الدراسية، ومسارات الدخول إلى المدارس المهنية. ويجري تشجيع الطلبة للتعرف إلى مواهبهم وكفاءتهم في مرحلة مبكرة، ومتابعة تعليمهم الذي يركِّز على المهنة طوال مراحل الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية. واليوم يلتحق نحو 27% من الطلبة الكوريين الجنوبيين في مدارس التعليم المهني والتقني. ويذهب نحو 43% من هؤلاء الطلبة إلى المعاهد، والـ30% الآخرون يذهبون إلى الجامعة. وتقوم الوزارة على نحو مستمر بإجراء عملية تحديث للمناهج بالتزامن مع تطور الاحتياجات الصناعية، وتؤكد على التعاون بين الشركات والمدارس عبر إتاحة فرص التدريب لطلبة التعليم المهني.

كما تعمل وزارة التعليم على إعداد إطار مؤهلات برامج التعلّم مدى الحياة، وعلى تشجيع الجامعات على تنظيم المزيد من الصفوف الدراسية للمتعلمين خارج أسوار الجامعات. والهدف إيجاد نظام إلكتروني للتعلم مدى الحياة، لإدارة الحياة الوظيفية عبر الإنترنت، يسجل خبرات التعليم المختلفة لكل عامل، ويوفّر المعلومات لأصحاب العمل على أساس المعايير الموحدة. وهناك فعلاً نظام «بنك اعتماد» مشابه يسمح للأشخاص الذين ليس لديهم تعليم عالٍ رسمي من الاستفادة من تجميع الساعات المعتمدة والدرجات النهائية عبر مختلف برامج التعلم مدى الحياة ومقرراته..

لقد أدرك القائمون على شؤون التعليم في كوريا الجنوبية حجم مشكلات التعليم لديهم، فبذلت وزارة التعليم والعلوم والتكنولوجيا جهوداً كثيرة وكبيرة للإصلاح؛ وتحقق لها الكثير مما أردات، فعرضت عام 1996 خطَّةً لتعزيز التعليم بإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المدارس. جاء في تقرير لجنة الرئيس لإصلاح التعليم عام 1997، الذي نصَّ على أن: «التعليم الكوري، الذي حقق نمواً ملحوظاً من حيث الكم في عصر الصناعة، لن يبقى مناسباً في عصر تكنولوجيا المعلومات والعولمة. فهو لن يستطيع إنتاج أشخاص لديهم مستويات عالية من الإبداع والحس الأخلاقي اللازمين لزيادة القدرة التنافسية للبلاد في المدة القادمة». هذه المقولة تختصر نصف قرن من إصلاح التعليم في كوريا.

وما هي إلا سنوات قليلة حتى بدأ انتشار التكنولوجيا واستخدامها في الصفوف الدراسية. تهدف الخطة إلى الابتعاد عن نمط التعلُّم الموحَّد والنمطي، والاتجاه نحو مقاربة أكثر إبداعاً وتنوُّعاً. ويجري العمل حالياً على أن يستبدل بالمنهج القائم على العمل الفردي منهج آخر يعزز التعاون وتبادل الأفكار، لكي يحلّ التعلم الفاعل المرتكز إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات محل الأسلوب السلبي الذي ميَّز طرائق التعلم القديمة.

واليوم تدخل التكنولوجيا في صميم الحياة اليومية للفرد الكوري الجنوبي، كما هو متوقَّعٌ في بلد يحتضن شركات تكنولوجية عملاقة، مثل: سامسونج، وإل جي. من هنا، ليس مستغرباً أن نعلم أن كوريا الجنوبية جعلت التكنولوجيا جزءاً من المنظومة التعليمية. وقد انطلقت فعلياً عملية تطبيق إستراتيجيةٍ هدفها رقمنة المنهاج الدراسي كله في كوريا الجنوبية بحلول عام 2015؛ وذلك لمساعدة الطلبة على اكتساب هذه المهارات. إذ تساعد الكتب الرقمية الطلبةَ على التفاعل مع الآخرين، وتنمِّي معارفهم عوضاً عن تلقِّيها ببساطة، فالتحول من نظام التعلُّم الفردي إلى نمط تعلُّم جماعي قائم على التعاون يعدُّ أمراً جوهرياً.

عزام بن محمد الدخيّل